الصحفى التونسى "سيف الله مشاط “: إفريقيا هى الملاذ والفضاء الاستراتيجى الآمن للعرب
الإرهاب ليس وصمة .. بل فكرة يجب التنقيب عن جذورها واجتثاثها
"سيف الله مشاط" صحفى تونسى ومستشار فى مجال الاتصال، يرأس مركز "حكاية" لتنمية المجتمع المدنى بتونس، الذى يدعم المشاركة الوطنية للشباب والترويج للإعلام المجتمعى الهادف، فضلاً عن كونه مراقباً دولياً معتمداً بإدارة الحوكمة والديمقراطية التابعة للإتحاد الإفريقى.. هو أول مُمثِل عن منطقة شمال أفريقيا فى برنامج الشباب الأفارقة المتطوعين، وعضو شبكة الشباب الافريقى للبيئة والتنمية المستدامة منذ عام 2009.. له عدة تجارب إعلامية فى مجال الإذاعة والإعداد والتقديم التليفزيونى، كما جرى اعتماده من بين الدفعة الأولى لسفراء مؤسسة الفكر العربى عامى 2010- 2011.
كان للمشهد هذا الحوار المُطوَل مع الصحفى التونسى الشاب "سيف الله مشاط" على هامش فعاليات مهرجان الشباب العربى والأفريقى الثالث، لاستقراء روآه حول منتدى شباب العالم، الذى تحتضنه مدينة شرم الشيخ فى الرابع من الشهر الجارى، وكذلك لمعرفة قراءته لبعض القضايا ذات الاهتمام المشترك على الساحة العربية والأفريقية، باعتباره أحد الأصوات الشبابية الواعية ذات الفكر المنضبط .
*فى ضوء السياسة المصرية الراهنة لدعم ثقافة الحوار بين الدولة والشباب للوقوف على تطلعاتهم وأحلامهم وتعظيم فرص الاستماع للآخر، بل والتطلع لخلق قنوات اتصال موسعة تربط رؤى الشباب من جميع أرجاء العالم .. كيف ترى "منتدى شباب العالم" الذى تستضيفه مصر فى مدينة شرم الشيخ فى غضون أيام، باعتباره أكبر حدث شبابى تفاعلى تشهده المنطقة العربية والافريقية مؤخراً ؟؟
فى الواقع يأتى المنتدى بمثابة ترجمة فعلية لإدراك صُناع القرار المصرى مدى ضرورة الاستماع إلى الأصوات الشبابية باعتبارها حتمية مُلزِمة لفهم تصورات هذا الجيل، فى محاولة لجذبه وإدماجه فى عملية البناء والمشاركة السياسية، وهو ما تحاول مصر اليوم القيام به عبر بذل جهد حثيث على مستوى تنظيم اللقاءات الوطنية والحوارات بمحطاتها الأربع مع الشباب، ومن هنا تتبدى قيمة انعقاد منتدى شباب العالم باعتباره فرصة هامة، تجعل مصر نقطة إلتقاء وحوار بين القوى الشبابية بمختلف جنسياتها، وفتح المجال لمناقشة قضايا مشتركة هامة تتعلق بالسلام العالمى، الهجرة، الإرهاب، كما أن هناك ضرورة هامة آلا تنتهى عملية التواصل والتحاور مع الشباب فى مصر وباقى دول المنطقة عند حدود إقامة مثل هذه الفاعليات، بل ينبغى أن يكون حدث بمثل الزخم الذى يكتسبه "منتدى شباب العالم" إشارة بدء، تُكرس لمزيد من الحرص على كسب ثقة فئة الشباب، حتى لا يشعرون أن الأمر قد يقتصر على هذه التظاهرة الضخمة فحسب، بل أنها اللبنة التى يؤسَس عليها المزيد من فعاليات التحاور الجاد، فضلاً عن ضرورة الخروج بتوصيات قابلة للتنفيذ لتوسيع نطاق المكتسبات.
*فى رأيك هل سيُسهِم المنتدى فى إرساء دعائم حقيقية لعلاقات عربية - أفريقية خلال المرحلة القادمة ؟؟ وما أهمية أن تُجرى مثل هذه المقاربات والمواءمات وسط مشاركات شبابية بمختلف الجنسيات ؟؟
فى الواقع يعد هذا الملتقى فرصة سخية للإطلاع عن قرب على ما تحمله جعبة الشباب من تصورات حول قضايانا المشتركة نحن العرب والأفارقة، خاصة وإن التحديات التى تواجهنا يحدوها العديد من أوجه التشابه، مما يحفز على الوصول إلى رؤى توافقية موحدة لحل إشكاليات مشتركة، استناداً إلى الخلفية الثقافية والحضارية المشتركة، خاصة وأن افريقيا اليوم تعد الملاذ الحقيقى لنا نحن العرب، وإن كنا قد تغافلنا فى فترات سابقة عن الأهمية الإستراتيجية للتعاون العربى- الافريقى، إذ أنه يصعب التعويل على الشراكات التاريخية القديمة وحدها، فلابد من ضخ دماء جديدة إلى الجسد العربى- الافريقى ليتوازن مع شراكات أخرى موجودة بالفعل داخل القارة، خاصة وأن الفضاء الافريقي يزخر بالفرص السانحة والسخية أمام العرب، حيث تمثل إفريقيا اليوم مستقبل العالم، وتحظى بتقارب من جانب غالبية القوى الاقتصادية الكبرى ..
كذلك أن تُجرى مثل هذه المقاربات فى ظل مشاركة شبابية عالمية، إنما تعطى دفعة قوية ومحفزاً فعلياً لدمج الطاقات الشبابية، كى تصبج جزءاً من عملية صنع القرار السياسى، إرتكازاً على رؤية شمولية تكشف كافة الأبعاد الفكرية والسياسية والثقافية التى تمثل الآخر.
*كيف ترى ظاهرة الإرهاب فى ظل ما تشهده المنطقة من تغييرات ؟؟ وما هو تفسيرك لتفشى الحركات الإرهابية وقدرتها على استقطاب فئة الشباب بمختلف توجهاتها وجنسياتها ؟؟
مبدئياً لابد من مواجهة هذه الظاهرة بمبادرة أولية قوامها التصالح مع الذات، فعلينا نحن دول الربيع العربى آلا نخجل من هذه الظاهرة، وآلا نعتبرها وصمة نحاول إنكارها أو التعامل معها بقدر من المواراة، فمثلاً فى تونس هناك نوع من الخطاب الإعلامى الدفاعى عن صورة الدولة أمام العالم، وكأننا بالأساس ندافع عن صورتنا كـ "مسلمين" .
كذلك ينبغى آلا نواجه ظاهرة كهذه بالعمليات التنظيرية والقراءات البحثية التى لا تعدو عن كونها مجرد كلمات مرسلة لا تحرك ساكناً، إذ أن الحديث الدائم عن البطالة والفقر والجهل كأحد أهم المسببات المؤدية لتفشى هذه الظاهرة، أصبح لا يفطم حيرة التساؤلات، فالفقر والبطالة لا تزال مشكلات موجودة بالفعل بدول متقدمة مثل الصين والهند، لكنها تخلو من الارهاب .. بل على العكس ما يضفى المزيد من العبثية، تفشى هذه الحركات المتطرفة فى الدول العربية رغم ثراء بعضها، ومن ثم يبدو الأمر فى مجمله أشبه بالخدعة، التى تَغرِس فى عقول الشباب مبدأ "الإنتقام" ليصل حد الانتقام من النفس أيضاً.
*لماذ تم اختيار مانشيت تنظيم "الدولة الاسلامية" من وجهة نظرك؟ ولماذا يتخذ الإرهاب حالياً صبغة دينية عبر وسائل الاعلام المختلفة؟ وهل يقوم "الارهاب الاسلامى"- كما يطلقون عليه - على فرضية الفهم الخاطىء للدين ؟
للأسف تم منح الحركات الإرهابية الحالية وصفاً عقائدياً بلا سند واضح، كما جرى خلق مفهوم "الإرهاب الإسلامى" وإعطاء "داعش" مسمى تنظيم "الدولة الاسلامية" ليبدو الهدف من ذلك قائماً فى الأساس على فكرة الحشد، لجذب أكبر عدد من الشباب المسلم تحديداً إلى مثل هذه التنظيمات السرية بإدعاء نصرة الدين وما شابه ذلك من أكاذيب .. والواقع أن هناك فرق جوهرى يُصنف وضعية الشباب داخل هذه المنطقة الملتهبة، فالشاب المتطرف هو المستهدف الحقيقي، إذ يتم استقطاب أسباب تطرفه الفكرى والعمل عليها لنقله الى وضعية أخرى أكثر خطورة وهى أن يصبح إرهابياً، فالمتطرف انسان قابل للتحويل والتقويم، أما الإرهابى فهو قاتل شأنه شأن المجرم.
وللأسف يرتكز استحداث مفهوم "الارهاب الاسلامى" فى هذه الأونة على هيمنة فكرة أو معتقد داخل وعى شريحة عريضة من الشباب، تسيطر عليهم مشاعر الإحباط واليأس من التغيير، فإذا بهم يرون أنفسهم مظلومين، والفرق ما بين الماضى والحاضر، إن هؤلاء المظلومون فى الماضى لم يقرنوا ظلمهم بمسمى دينى أو هوية عقائدية، والمزعج فى الأمر أنه انطلاقاً من هذه الفرضية أصبح الإرهاب يستقطب الصفوة من الشباب، مما يثير المزيد من القلق حول تفسير وتحليل الدوافع التى زجت بهؤلاء الصفوة الى مثل هذا النفق المظلم.. ربما كانت لهم صيحاتهم وصرخاتهم التى أخرجوها من صدورهم بمنحى مختلف، ليتلقفها هؤلاء التُجار، زارعين أفكارهم الخبيثة فى عقول مجهدة، تَحتضن اللعنة فى خشوع، ثم تلفظها بجنون وحنق فى وجه العالم.
*تقذفنى إجابتك على ضفة أخرى من التساؤل .. هل يستقطب الإرهاب حالياً الصفوة من الشباب ولوجاً من ثغرة تعرضهم لأحد أشكال الإحباط المجتمعى واليأس من التغيير؟
بالطبع نعم، فالكثير من الشباب الواعى والمتطلع أصابتهم حالة من الاحباط، بحيث تطورت إلى يأس.. فصار اليأس "لامبالاة" تتماشى ونظرة المجتمع الدولى لقضايانا، فالمنظومة الدولية تتعامل بقدر من الاستهتار الملحوظ مع إشكاليات المنطقة العربية، وبطمع مفهوم صوب القارة الأفريقية، فى حين لا تحصد القمم العربية سوى العدم دون تحقيق أية مكاسب على أرض الواقع .. أجيال تذهب وأخرى تأتى والواقع لا يتغير، بل يتأزم، وما بين هذه الفجوة الزمنية تتسع فوهة البركان المتشظى، التى تقذف حمم التطرف على جسدنا العربى، الذى يخسر فى أهم ثرواته وهى الشباب .
*فى رأيك أتختلف ظاهرة الإرهاب من دولة إلى أخرى؟
قطعاً تختلف المقومات والمحفزات لظاهرة الإرهاب من دولة إلى أخرى .. مصر ليست كـ "تونس"، و تونس ليست كـ "ليبيا"، و ليبيا ليست كـ "سوريا" وهكذا .. لكن مع الأسف النتائج واحدة مع اختلاف الأسباب، وعند محاولة الإصغاء لعناصر انضمت لتنظيمات إرهابية، ثم تركتها، يتكشف مدى ضبابية رؤية هؤلاء الشباب، وتغييبهم عن الأهداف الحقيقية خلف ما يفعلون، فالهدف المُعلن أو بالأحرى الطُعم المُقدَم هو "نُصرة" الدين، أو هكذا يتوهمون، لكنهم مع الأسف يجهلون إلى أى واقع ينتمى صراعهم، كما يجهلون حقيقة هؤلاء الذين يتلاعبون بهم لصالح كيانات أخرى، وإذا تحدثنا عن تنظيم الدولة الاسلامية فهو موجود فعلياً منذ عام 2012، لكن الكارثة بدأت منذ أن أخذت الأيادى الخفية تتلاعب وتستخدم تلك الحركات لخدمة أغراض سياسية، وبالنظر الى ثورات الربيع العربى، يمكن قراءة ذلك وتفسير هذه الظاهرة المُختلقَة، التى جرى خلالها خلط الحقيقة بالوهم، والتلاعب بالأحلام المؤجلة والانقضاض على عذريتها وتجريدها من مآربها لتفكيك المنطقة واصطياد دُولها فُرادى.
*أعود مرة أخرى للحديث عن إفريقيا ,,هل هناك مبادرات عربية إفريقية يمكن طرحها لتعميق أواصر التعاون المتبادل فيما بيننا، وما هى أفاق التكامل العربى الإفريقى على صعيد الشراكات المختلفة فى رأيك ؟
الواقع أنه فى مستهل عام 2050 سيمثل سكان أفريقيا ما يقرب من خُمس إجمالى سكان العالم ، كما سيشكل الشباب أقل من 25 عام ما يقرب من 65 % من هذه الكتلة السكانية، وفى عام 2100 سيشكل سكان افريقيا وحدها ثلث إجمالى سكان العالم .. هذه الأرقام تعطى دلالة هامة، آلا وهى ما تمثله هذه الكتلة البشرية ، وأغلبها من الشباب، كقوة دفع أو هدم، حسبما سنسعى نحن لتوظيفها، إذ ينبغى رسم سياسات مستقبلية على المدى القريب لتأهيل الشباب فى سن مبكر، كى يصبحوا مؤهلين تماماً للتمكين فى مرحلة عمرية مناسبة.. فالجيل الحالى قد تم بالفعل ترسيم خرائط تفكيره وإذا ما أردنا أجيالاً مختلفة علينا أن نعمل من الأن وآلا ننتظر بعد أن يتشكل وعيهم بالفعل ومن ثم يتعذر تغييره، فلا يجوز التعامل مع الشباب باعتبارهم فئة عمرية خارجة عن النسق الاجتماعى، كما ينبغى أن نستثمر فيما يُعرف بمنظومة القيم والأخلاق التى كادت أن تتآكل فى مجتمعاتنا، لذلك لابد من العودة الى التأسيس والترسيخ لمنظومة أخلاقية سليمة يمكنها أن تكون المرجعية التى يستند إليها الشباب العربى والأفريقى فى مواجهة ما هو آت من تحديات لدينا القدرة على تجاوزها لو توحدت رؤيتنا .
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى
رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس
سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...
زهايمر!
هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...
الذبح لمن استطاع سبيلا
بعد سيطرة ضباط يوليو1952على مصر..وبعد انتشار(شعارات العروبة) والقومية العربية.. وتوأمتها الوحدة العر...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري